أحكام تقييد حقوق الإنسان، والقاعدة في علاج التعارض بينها
الخطة
المطلب الأول: أحكام تقييد حقوق الإنسان
الفرع الأول: حقيقة التعارض بين حقوق الإنسان
الفرع الثاني: مدى تدرج حقوق الإنسان
الفرع الثالث: القيود العامة على حقوق الإنسان
أولاً: تقييد الحقوق وشروطه
ثانياً: التحلل من التزامات القانون الدولي لحقوق الإنسان (بيان الحقوق غير القابلة للانتقاص)
المطلب الثاني: القاعدة في علاج التعارض بين حقوق الإنسان
الفرع الأول: التعارض بين الحقوق الفردية
الفرع الثاني: التعارض بين حق فردي وحق جماعي
مسائل للمناقشة
تتضمن تكملة لمسائل من المحاضرة السابقة:
- التأثير القوي والمنتظم للثقافة على الفرد:
o هي التي تقرر بشكل مسبق نمط السلوك المقبول والآخر غير المقبول، الجميل والقبيح، الجائز والمحرم.
o تشابه أنماط السلوك الاجتماعي لهؤلاء الأفراد وتصرفاتهم ونظرتهم إلى الأشياء.
o فسر التوافق بين المرأة والرجل من ثقافة واحدة أكثر من اتفاق امرأتين أو رجلين من بيئتين مختلفتين.
o لما كانت أول طبيبة في العالم "إليزابيت بلاكويل" تتلقى تعليمها في جامعة جنيف سنة 1849م، كانت النسوة يقاطعنها، ويأبين أن يكلمنها، ويتحاشينها احتقاراً لها على فظاعة ما تفعله.
o عندما أُسس في فيلادلفيا بالولايات المتحدة أول معهد لتعليم النساء الطبَّ، أعلنت الجماعة الطبية بالمدينة أنها ستقاطع كل طبيب يقبل التدريس في ذلك المعهد وكل من يستشير هؤلاء الأطباء.
o في الكيان الإسرائيلي، لا تعمل المرأة في المحاكم الدينية المنظمة للكثير من شؤون حياة اليهود، وللمرأة الإسرائيلية المتدينة الحق في طلب إعفائها من الخدمة العسكرية، أما الأمهات والمتزوجات من الإسرائيليات، بمن فيهن العلمانيات، فهن مستثنيات أصلاً من الخدمة العسكرية بسبب إعطاء أولوية خاصة للأسرة والأمومة.[1]
- ما هو ردك القانوني على مناعي المنظمات الحقوقية وطلباتها؟
o حدد موقفها وكنه مطالباتها.
o هل تستجيب لها وكيف؟
o هل تردها، وما حجتك القانونية؟ ألست طرفاً في المعاهدات التي تقرر هذه الحقوق؟
- ما موقفك بشأن التعارض بين الحقوق الفردية والحقوق الجماعية؟
- أليست الحقوق الفردية، حقوق الإنسان عموماً، قيداً على الدولة، وهي من ثم قيد على حقوق الجماعة التي تمثلها الدولة؟
- هل يمكن للحقوق الفردية والجماعية أن تتعايش معاً؟
- ما ردك القانوني على القائل بسمو الحقوق الفردية وبأفضليتها عند التعارض؟
ما رد القائل بأعلوية الحقوق الفردية على واقع التعارض بين الحقوق الفردية ذاتها؟ هل يبدو رده سائغاً؟ ولماذا؟
المطلب الأول: أحكام تقييد حقوق الإنسان
الفرع الأول: حقيقة التعارض بين حقوق الإنسان
لا تقتضي العلاقات بين الحقوق والحريات المختلفة، تمتعاً ومطالبة بها، التصادم أو التعارض بينها. كثير منها يكمل بعضها البعض، ويمكنه التعايش معاً على أوسع نطاق للحق الواحد. فحرية الضمير يمكن التعبير عنها بحرية العقيدة الدينية، والحق في حرية التعبير يفتح الطريق أمام الحق في حرية التجمع السلمي لتبادل الأفكار.[1] لكن الحال ليس كذلك على الدوام، إذ كثيراً ما يحصل تعارض بين حقوق الإنسان، وذلك في الحالات التي يصطدم فيها أحد تلك الحقوق مع مصلحة تشكل في ذاتها حقاً من حقوق الإنسان، بحيث يكون في إعمال الحق الأول مساسٌ بالحق الثاني في كله أو بعضه.[2]
إن ظاهرة تعارض الحقوق شائعة بين حقوق الإنسان. وهذه حقيقة يقر بها القانون الدولي، ويعمل على التخفيف منها إلى أقصى حدٍّ ممكن، إما بتعايشها معاً وإما بتفضيل قيم أعلى منزلة في الدولة. لهذا يسمح بتقييد الحقوق عند الضرورة ولكن باتباع قواعد محددة.
لنا أن نستشهد على التعارض بمثالين شائعين: قد يترتب على استعمال الحق في حرية الصحافة تغطيةُ أخبار تضر بحق المتهم في محاكمة عادلة، وذلك لما تتطلبه عدالة هذه المحاكمة من عدم نشر الادعاءات الموجهة ضده قبل موعد المحاكمة أو المرافعة (تصادم الحق في حرية الصحافة مع الحق في المحاكمة العادلة). والحق في حرية التعبير قد يستعمل للتحريض على العنف ضد آخر (تصادم الحق في حرية التعبير مع الحق في السلامة الجسدية أو الحق في الحياة).[3]
رأينا أن الحق في الخصوصية يرتبط بحقوق الإنسان الأخرى. وهو لهذا يعد من الشواهد على ترابط حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة. لكن هذا الارتباط قد يتسبب في صراع بين الحقوق الثقافية والحقوق الأخرى،[4] بحيث يصعب أحياناً الإعمال الفعلي المتزامن والكامل لكل تلك الحقوق في آن واحد. فعلى سبيل المثال، تفسَّر بعض نصوص الحقوق المدنية والسياسية بما يتعارض مع الحفاظ على ثقافة الفرد والجماعة، وما يرتبط بذلك من حقوق ثقافية.[5] من ذلك أن إعمال الحق في الخصوصية الثقافية قد يفضي إلى تعارض ظاهري أو حقيقي مع حقوق أخرى، كما يلازم إعمالَ بعض الحقوق على نطاقها الكامل تضاربٌ مع الحق في الخصوصية الثقافية.[6]
يهمنا ههنا أن ندرك أن هذا التعارض بين الحقوق لا يبرر الإهدار المطلق لحقٍّ لمصلحة الحق المتعارض معه. فقد رأينا أن الحقوق جميعها تتصل بالكرامة الإنسانية، وأنها مرتبطة ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة، وسنرى أنها بسبب هاتين الخاصيتين تتمتع من حيث الأصل بدرجة واحدة من المشروعية والأهمية. وبالبناء عليه، لا يصح مذهب أنصار النسوية ولا مذهب مؤيدي العالمية القائلان بإهدار الخصوصيات الثقافية لمجرد تعارضها مع بعض حقوق الإنسان لاسيما أن أنصار النسوية يقررون ذلك لمجرد تعارضها مع حق المرأة في المساواة دون أن يبرروا تفضيلهم لهذا الحق على ذاك على نحو يتفق والقواعد المقررة في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وعلى ذلك، فإذا تعاملنا مع التعارض برفض كل الممارسات الثقافية لمجرد كونها تمس بحق من حقوق الإنسان الأخرى، فإن ذلك قد ينطوي في ذاته على خرق لحق جميع الشعوب في التمتع بثقافاتها الخاصة وفقاً لما يقرره لها القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي قرر حقوق الإنسان الأخرى.[7] وإذا ما حصل العكس وأُعطيت الغلبة المطلقة للخصوصيات الثقافية، فقد يؤدي هذا إلى هدم بعض الحقوق بلا مبرر مقبول.
ومن استقراء العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، باعتباره الأوثق بدراستنا سنرى أنه راعى وضع قواعد تحكم تعارض الحقوق والمصالح تضمن أقصى قدر من التعايش بينها والحؤول دون التعسف في استعمالها.
الفرع الثاني: مدى تدرج حقوق الإنسان
بيان التدرج الهرمي لحقوق الإنسان يفيد في التعرف على مقام الحق. وهذا يقرر منزلته بالنسبة إلى الحقوق الأخرى لاسيما عند التعارض، إذ سيُغلَّب الأعلى درجة على الأدنى.[8] لكن وضع ترتيب للحقوق بحسب أهميتها للفرد مازال محل خلاف بين فقهاء حقوق الإنسان.[9]
وعلى مستوى القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن الصكوك الدولية بشكل عام لا تضع ترتيباً أو تدرجاً هرمياً للحقوق التي تتضمنها. ثم إن الخصائص الموحدة التي تعطيها لهذه الحقوق تحجب عن الأنظار عناصرَ التفضيل، وهو ما يجعله عسيراً. فإذا كان من اليسير تبرير حقيقة أن للحق في الحياة استئثاراً بالأولوية على أغلب الحقوق، فإن الأمر لا يكون كذلك عند الحديث عن حقوق أخرى كالحق في الانتخاب،[10] والحق في المساواة والحق في الحق في الخصوصية الثقافية.
رغم هذه الحقيقة، يبرز في الواقع تدرجٌ مصطنع في بعض حالات التعارض. ففي دول العالم الثالث نجد تركيزاً أكبر ومكانة أسمى وقيمة أعلى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مثل الحق في المسكن، والطعام، والتعليم، والعناية الصحية، والخصوصية الثقافية، وحق تقرير المصير، فيما الأمر خلاف ذلك في العالم الغربي الذي يعلي من الحقوق المدنية والسياسية مثل الحق في حرية التعبير والحق في الانتخاب.[11] وبسبب التفوق السياسي والإعلامي للعالم الغربي، فإن من الملاحظ أن الحقوق المدنية والسياسية لا تزال تتمتع بامتياز تاريخي وواقعي على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،[12] على الرغم من أن الإجماع منعقد على أن الحقوق المشمولة بكلا الفئتين تتمتع بصفات وخصائص حقوق الإنسان نفسها.[13]
لا يبدو لأيٍّ من الاتجاهين السابقين أساسٌ واضح ومتين في القانون الدولي لحقوق الإنسان. فالنص على طائفة الحقوق المدنية والسياسية وعلى طائفة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية جاء بداءة، وفي نصوص منفصلة في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، دون أي إشارة لا في الأعمال التحضيرية، ولا في الصياغة الحرفية للنصوص تفيد تراتبية في الحقوق الواردة فيها.[14] علاوة على ذلك، فإن صفتي الارتباط والتكامل بين حقوق الإنسان تزيد من مسألة ترتيبها وتفضيل بعضها على بعض صعوبةً وتعقيداً. فمن حقوق الإنسان ما يندرج بشكل حصري تحت فئة الحقوق الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية فحسب؛ كالحق في السكن والطعام، ومع هذا فإن تهميشه سيجعل القول بامتياز الحقوق المدنية والسياسية قولاً بلا معنى، لأن حرمان الفرد من الحق في السكن والطعام سيفضي ضرورةً إلى امتناع قدرته على التمتع بأغلب الحقوق المدنية والسياسية.[15]
حاصل ما تقدم هو أن القول بإمكان استشفاف نوع من الهرمية في حقوق الإنسان بما يساعد على وضع ترتيب لها وتحديد الأولويات بينها مردود بانعدام النصوص القانونية الدالة على الهرمية، وبأن خاصية الترابط وعدم القابلية للتجزئة تفرض تساوي قيم حقوق الإنسان وترفض تدرجها أو تفاوتها.[16] هذان السببان هما ما يدفع إلى التشديد باستمرار في القرارات والإعلانات الدولية على أن الخصائص المشتركة لحقوق الإنسان تفرض معاملتها جميعها بطريقة منصفة وعادلة، وعلى قدم المساواة وبنفس القدر من التركيز والاهتمام.[17] ولهذا فإن الأهمية التي تتمتع بها الحقوق المدنية والسياسية والمكانة التي تتبوؤها لا تختلف عنها بالنسبة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك فإن الحقوق الثقافية تتمتع بالقدر نفسه من الأهمية وتحتل المرتبة ذاتها التي تحظى بها كل تلك الحقوق.[18]
يشار أخيراً إلى أن البعض يستنبط نوعاً وحيداً من الهرمية من نص المادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي يحظر مطلقاً مصادرة بعض الحقوق ولو بسبب حالة طارئة استثنائية.[19] على أن هذا الرأي، كما سنرى، يبدو محدود الفائدة في إطار الفصل في مسألة التعارض بين الحقوق عموماً.
الفرع الثالث: القيود العامة على حقوق الإنسان
أولاً: تقييد الحقوق وشروطه
ترتبط حقوق الإنسان بالكرامة الإنسانية، ولذا فالأصل فيها عدم جواز تقييدها. لكن إطلاق الحريات والحقوق وتحريرها من أي قيود سيفضي في بعض الحالات إلى مساس بحقوق الآخرين أو بكيان الجماعة ككل. ومن هنا جاءت فكرة حق الدولة في تقييد حقوق الإنسان من أجل التوفيق بين هذين الاعتبارين،[20] مع وجوب أن تكون القيود المفروضة من الاعتدال والضبط بما يحول دون إساءة استعمالها أو تلاشي الحقوق في ذاتها.[21]
تحوي أغلب وثائق حقوق الإنسان الدولية قواعد تقييد الحقوق.[22] ويعد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الوثيقةَ الأهم في هذا لوضوح أحكامه ولصلاحيتها للتطبيق على حقوق الوثائق الأخرى أيضاً.[23] وقد صارت هذه القواعد اليوم محل إجماع فقهي وقضائي على السواء. ولا يقتصر الإجماع على المجال الدولي فحسب، بل يشمل المجال الإقليمي أيضاً، ولنا في العمل المميز للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في مجال تقييد الحقوق المثال على ذلك، حتى صار يطلق على جملة عملها في هذا الشأن "النظرية العامة للقيود" "general theory of restrictions".[24]
يمكن إجمال ضوابط القيد المبرَّر طبقاً للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في أن يكون منصوصاً عليه بالقانون، وضرورياً لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وأن يقف عند القدر اللازم فقط لحماية تلك الأهداف.[25] ومع أن هذه الضوابط لا ترد في كل نصوص العهد،[26] إلا أن الرأي الغالب أن كل الحقوق تخضع لها بسبب خصائصها المشتركة.[27]
1. أن يكون القيد مفروضاً بنص قانوني
ومؤدى هذا الشرط أنه يجب في القيد المفروض على ممارسة الحقوق والحريات، بما يحد من التمتع بها على نطاقها الكامل، أن يستند إلى القانون. ويعني القانونُ هنا القانونَ بالمفهوم الواسع الذي يشمل كل القواعد القانونية في البلاد بما فيها من دستور وتشريع عادي.[28] ويجب أن يكون النص المقيِّد واضحاً ودقيقاً بالقدر اللازم لبيان مضمون القيد، وأن يكون سابقاً لفرضه.[29]
2. أن يُفرض القيد تحقيقاً لغرض مشروع
أي أن يُفرض بهدف تحقيق الصالح العام.[30] ويكون هذا باستهداف واحد أو أكثر من الأغراض المتعلقة بحماية الأمن القومي، والنظام العام، والآداب العامة، وحقوق وحريات الآخرين. ويُقصَد بحماية الأمن القومي حماية وجود البلاد أو سلامة أراضيها. وأما النظام العام، فهو إجمالاً "مجموعة القواعد التي تكفل الأداء السلمي والفعال للمجتمع ككل."[31] وتعرف اللجنة المعنية بحقوق الإنسان الآداب العامة بأنها "تختلف على نطاق واسع، وبأنه "لا وجود لمعايير عالمية يمكن تطبيقها بشأنها." ولذا تقرر أن تقديرها يدخل في الكثير من الأحوال في نطاق السلطات المحلية.[32] وتضرب على هذا مثالاً بالقيود المفروضة في بعض الدول على المواد الإباحية، وبحظر الاعتداء على المقدسات الدينية لتقييد حرية التعبير.[33]
وأما حماية حقوق الآخرين وحرياتهم، فمفادها أن ممارسة الفرد لحق من حقوق الإنسان تقف عند الحد الذي تشكل فيها مساساً بحقوق وحريات الآخرين التي تعلو في قيمتها قيمة الحق محل التقييد. فإذا كانت حرية الفرد في اعتناق العقيدة الدينية مطلقةً، فإن حريته في التعبير عن هذه العقيدة في مظهر خارجي تعد أضيق نطاقاً لما قد يترتب عليها من مساس بحقوق الآخرين.[34] ولا شك في أن هذه المفاضلة وإن كانت سهلة في عدة مناسبات، كما في حالة تغليب الحق في الحياة على الحق في حرية التعبير، إلا أنها ليست كذلك دائماً، إذ في الكثير من الأحيان تتطلب عملية دقيقة من الموازنة.[35]
3. أن يكون القيد ضرورياً لتحقيق الغرض المشروع
لا يكفي للقول بشرعية القيد، في ميزان قانون حقوق الإنسان، مجرد وروده في قانون، واستهدافه غرضاً مشروعاً، بل يجب أيضاً أن يقف عند القدر الضروري لحماية الغرض المشروع الذي فُرض من أجله. هذا يتطلب، بحسب اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، تناسباً بين القيد المفروض والقيمة التي يرمي القيد إلى حمايتها.[36] وهكذا، إذا أمكن تحقيق الهدف المشروع بوسائل أقل مساساً بالحق، فإن هذه الوسائل وحدها هي التي تدخل في نطاق القيد المسموح.[37]
ثانياً: التحلل من التزامات القانون الدولي لحقوق الإنسان (بيان الحقوق غير القابلة للانتقاص)
طبقاً للمادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، يجوز للدول الأطراف في حالة الطوارئ العامة أن تتحلل من التزاماتها المقررة في نصوص العهد. ويختلف التحلل عن تقييد الحق في الظروف العادية في أن الأول يجيز مصادرة الحق كلية، أو الحدَّ منه دون التزام بالأحكام العامة في التقييد. ولشدة مساسه بحقوق الإنسان، لا يبيح العهدُ للدولة في حالة الطوارئ أن تتحلل من التزاماتها بضمان حقوق الإنسان وبحمايتها إلا في أضيق نطاق. من ذلك أنه يشترط في التدابير المتخذة بسبب حالة الطوارئ أن تقتصر على القدر اللازم الذي يقتضيه الوضع الاستثنائي من حيث مدة التدبير، وإعلان الحالة، ونطاقهما الجغرافي والمادي، فضلاً عن ضرورة وقوفها عند الحد اللازم لإعادة الأوضاع إلى مسارها الطبيعي.[38]
يضاف إلى ذلك أن رخصة التحلل من التزامات العهد لا تنسحب إلى كل الحقوق. يستثني نص المادة الرابعة الحقوق الواردة في المواد: 6 (الحق في الحياة)، و7 (تحريم التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية)، و8(1،2) (تحريم الرق)، و11 (حظر الحبس بسبب التزامات مدنية)، و15 (مبدأ الشرعية في قانون العقوبات)، و16 (الحق في الشخصية القانونية)، و18 (الحق في حرية الفكر والمعتقد والضمير). ولهذا فلئن صح للدولة التحلل كلياً من التزاماتها بحماية حقوق الإنسان في حالة الطوارئ بالشروط المشار إليها، لا يمكنها توظيف النص بطريقة تؤدي إلى زوال الحقوق المذكورة بشكل كامل. يتعين عليها إحاطتها بضمانات قانونية وقضائية تحول دون إهدارها حتى في حالات الطوارئ الاستثنائية.[39] على أن المراد هنا هو حظر مصادرة الفرد هذه الحقوق كلياً، لكنها مع هذا تظل محلاً للقيود العامة الواردة على حقوق الإنسان. وإذن فهي في هذا لا تمتاز على حقوق الإنسان الأخرى اللهم إلا بالنسبة لمن يرى في استثنائها المتقدم مبرراً لمنحها سمواً على باقي الحقوق عند التعارض. وهو رأي لا يستتبع تقويض هذه الحقوق لمصلحة تلك مادام التعايش بينها بفرض بعض القيود ممكناً. أضف إليه أن حظر التحلل من الحق بصورة كلية لا يستلزم منع تقييده مادام هذا التقييد لا يفضي إلى زواله.
([2]) Olivier De Schutter and Francoise Tulkens, Rights in Conflict: The European Court of Human Rights As a Pragmatic Institution, In, Eva Brems, (ed.), Conflicts Between Fundamental Rights, (Intersentia New York, US., (2008)), p.169.
([3]) Helen Fenwick, Civil Liberties and Human Rights, (Routledge-Cavendish, New York, US., 4th. ed. (2007)), p. 13.
([12]) Henry J. Steiner, Phillip Alston and Ryan Goodman, International Human Rights in Context: Law, Politics, Morals , (Oxford University Press, New York, US., (1996)), p. 256.
([16]) Olivier De Schutter and Francoise Tulkens, Rights in Conflict: The European Court of Human Rights As a Pragmatic Institution, op. cit., p. 179.
([17]) The Human Rights Council, Resolution on Promoting human rights and fundamental freedoms through a better understanding of traditional values of humankind, op. cit., p. 35.
([19]) انظر، أ.د. أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة، المرجع السابق، ص 110-112.
([20]) أ.د. أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة، المرجع السابق، ص 104.
([21]) Dr. Mark Cooray, The Australian Achievement: From Bondage to Freedom: Human Rights Are not Absolute, 22.5 (1996). Available at: http://www.ourcivilisation.com/cooray/btof/chap225.htm.
([22]) انظر مثلاً المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمواد: 4، 12، 13، 19، 21، 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمادتين: 4، 8 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. مشار إليه في، أ.د. أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة، المرجع السابق، ص 105.
([23]) أ.د. أحمد أبو الوفا، نظام حماية حقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة، المرجع السابق، ص 58.
([24]) Olivier De Schutter and Francoise Tulkens, Rights in Conflict: The European Court of Human Rights As a Pragmatic Institution, op. cit., p. 169.
[26] على سبيل المثال، لا نجد إشارة إلى قيود في المادتين 23 و24 (حقوق الأسرة)، ولا في المادة 26 (المساواة أمام القانون وعدم التمييز)، ولا المادة 27 (الحقوق الثقافية).
([28]) Monica Macovei, Freedom of expression: A guide to the implementation of Article 10 of the European Convention on Human Rights, Council of Europe, Human rights handbooks, No. 2, January 2004, pp. 30, 31.
([29]) European Court of Human Rights, The Sunday Times v. United Kingdom, 26 April 1979, Application No. 6538/74, para. 49.
([30]) Inter-American Court of Human Rights, The Word "Laws " in Article 30 of the American Convention on Human Rights, Advisory Opinion, OC-6/86, 9 May 1986, (Ser. A) No. 6, para. 29.
([31]) Inter-American Court of Human Rights, Compulsory Membership in an Association Prescribed by Law for the Practice of Journalism (Arts. 13 and 29 of the American Convention on Human Rights), Advisory Opinion OC-5/85, 13 November 1985, (Ser. A) No. 5, para. 64.
([32]) Human Rights Committee, Leo Hertzberg et al. v. Finland, Communication No. 61/1979, U.N. Doc. CCPR/C/OP/1 at 124 (1985), para. 10.3.
([33]) Sarah Joseph, Jenny Schultz, and Melissa Castan, The International Covenant On Civil And Political Rights, Cases Materials, And Commentary, (Oxford University Press, New York, US., 2nd. ed. (2004)), p. 529.
([34]) Reema Khawja, The Shadow of the Law: Surveying the Case Law Dealing with Competing Rights Claims, (Ontario Human Rights Commission, (Feb. 2012)), p. 3.
([36]) Human Rights Committee, Rafael Marques de Morais v. Angola, Communication No. 1128/2002, U.N. Doc. CCPR/C/83/D/1128/2002 (2005), para. 6.8.
([37]) Inter-American Court of Human Rights, Compulsory Membership in an Association Prescribed by Law for the Practice of Journalism, op. cit., para.79.
وليس العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بوثيقة حقوق الإنسان الوحيدة التي تفرض مبدأ عدم جواز الانتقاص من بعض حقوق الإنسان، فبالاطلاع على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وعلى اتفاقية البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان نجد أحكاماً مشابهة في هذا الخصوص. تقضي المادة 15 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بجواز الانتقاص من حقوق الإنسان الواردة فيها "وقت الحرب أو الطوارئ العامة الأخرى التي تهدد حياة الأمة." لكنها تستثني من ذلك الحقوق المنصوص عليها في المواد: 2 (الحق في الحياة)، و3 (الحق في عدم الخضوع للتعذيب والمعاملة أو العقوبة المهينة للكرامة)، و4(أ) (الحق في عدم الاسترقاق)، و7 (الحق في عدم رجعية القانون الجنائي). كما نجد نصاً مشابهاً في اتفاقية البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، حيث تقضي المادة 27 بجواز اتخاذ إجراءات تحد من التزامات الدول بمقتضي الاتفاقية، وذلك في أحوال الحرب والخطر العام، وحالات الطوارئ الأخرى التي تتهدد الاستقلال أو الأمن الوطني طيلة مدة بقاء تلك الظروف. ومع ذلك لا تجيز الانتقاص من الحقوق التي حددتها الفقرة الثانية من المادة 27 على سبيل الحصر، وهي الحقوق المنصوص عليها في المواد: 4 (الحق في الحياة)، و5 (الحق في المعاملة الإنسانية)، و6 (الحق في التحرر من العبودية)، و17 (الحق في تأسيس أسرة)، و18 (الحق في اسم)، و19 (حقوق الطفل)، و20 (الحق في الجنسية)، و23 (الحق في المشاركة السياسية).
المطلب الثاني: القاعدة في علاج التعارض بين حقوق الإنسان
تؤشر خصائص حقوق الإنسان، مثل ارتباطها وتشابكها، وعدم قابليتها للتجزئة، وتعلقها بالكرامة الإنسانية إلى أهميتها جميعها وإلى ضرورة الحرص على تعايشها معاً كلما أمكن. لكن احتمال تضاربها يظل قائماً باستمرار. هذا التعارض قد ينشأ بين حق فردي وحق فردي آخر، أو بين حق فردي وآخر جماعي. وإدراك المتدرب بمعهد القضاء لقواعد علاج هذا التعارض أمر في غاية الأهمية بالنظر إلى طبيعة النزاعات التي ستعرض عليه لدى انخراطه في العمل القضائي.
الفرع الأول: التعارض بين الحقوق الفردية
لا تبدو الصعوبة قائمة في تغليب حق الفرد في الحياة على حق آخر في حرية التعبير عندما يؤدي إطلاق هذه الحرية إلى تهديد لحياة الأول ووجوده، لكن الأمر قد يدق عند تعارض حقوق أخرى يصعب تغليب أحدها على الآخر.
إحدى المعضلات اليوم تكمن في أن بعض الهيئات المعنية بحقوق الإنسان تُظهِر إخفاقاً في تعاملها مع تضارب حقوق الإنسان وفقاً لخصائصها الأساسية المتمثلة في التكامل والارتباط الذي لا يقبل التجزئة. وكثيراً ما يترتب على هذا تحيُّزُ تلك الهيئات إلى حق فردي على حساب آخر دون مبرر سائغ.[1] على أن الصحيح هو المبدأ الذي يقوم على انعدام التدرج الهرمي بين حقوق الإنسان، وعلى وجوب الاحترام الكامل للأهمية الأساسية لكل الحقوق المتعارضة بلا استثناء. وهذا هو المبدأ الذي يتبناه كثير من فقهاء القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتعمله التطبيقات القضائية لتسوية التعارض بين حقوق الإنسان.[2]
وحاصل المبدأ أن أي عملية تغليب لحق فردي على آخر يجب ألا تنطلق من مجرد الوقوف عند اسم هذا الحق أو ذاك، بل يلزم الانطلاق من أصل عام مفاده أن الحقين كليهما من حقوق الإنسان، وأن لكليهما الخصائص ذاتها، وأن هذا التشابه يحول دون وضعها في تدرج هرمي. وعليه، فإن الترجيح بينها لا يصح أن يتم إلا من خلال عملية عقلانية تُبنى على فحص كل حق على حدة وعلى تقييم أهميته في السياق الذي يمارس فيه،[3] ليجري بعد ذلك تفضيل أحدهما على الآخر.
الفرع الثاني: التعارض بين حق فردي وحق جماعي
التعارض بين الحقوق الفردية من جهة، والحقوق الجماعية من جهة أخرى، مسألة ذات جذور عميقة في التاريخ، سواء في النظريات الاجتماعية أو في التطبيقات العملية. يرتبط هذا التعارض بالمواجهة الحادة بين المبادئ الفردية ونظيرتها الجماعية.
ويعطي الاتجاه السائد قديماً تفوقاً مطلقاً لمصلحة الجماعة على مصلحة الفرد. يستوي أن تأخذ الجماعة شكل دولة، أو قبيلة، أو مجموعة دينية، أو عرقية، أو غيرها. شُبهت الجماعة في هذا السياق بالكائن الحي الذي تتشكل أعضاؤه من الأفراد، فهو كالإنسان، له هويته وإرادته وكيانه الذاتي ومصالحه التي تسمو على مصالح أجزائه الفردية.[4] ويشبِّه أفلاطون الدولةَ بتمثال كامل الأعضاء مكوّن في أجزائه من الأفراد، مصلحة الكل فيه مقدَّمة على مصلحة أجزائه.[5] ويذهب جان جاك روسو في عقده الاجتماعي إلى أنه وإن كان توافق الإرادة العامة والإرادة الخاصة في بعض النقاط ممكناً، إلا أنه من المستحيل ثبات هذا التوافق وديمومته.[6] فالتعارض بين المصلحتين العامة والخاصة واقع لا مفر منه. ويرى أن المعتبر هو مصلحة الجماعة، ولذا ينتهي إلى تغليب المصلحة العامة على الخاصة، وإلى وجوب إكراه أعضاء الإرادة العامة لمن يرفض الانصياع من المواطنين للمصلحة العامة،[7] مانحاً بذلك سمواً للحقوق والحريات الجماعية على نظيرتها الفردية. ولا يختلف جون ستيوارت مل عن ذلك. فهو وإن نادى بإطلاق حق الأفراد في حرية الرأي والفكر وبعدم جواز المساس به باسم المصلحة العامة، إلا أنه يسمح باسم هذه المصلحة بتقييد حقهم في السلوكيات التي تتخذ مظهراً مادياً خارجياً.[8]
أما في مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن تأسس فكرة حقوق الإنسان أصالة على فكرة الحقوق الفردية تدفع كثيراً من فقهاء هذا القانون إلى تبرير تفوق الحقوق الفردية، محتجين في هذا بأن فتح المجال أمام الحقوق الجماعية لمنافسة الحقوق الفردية سيؤدي إلى فتح باب واسع أمام انتهاك الدولة للحريات والحقوق الفردية باسم مصلحة الجماعة أو الأغلبية.[9]
على أن هذه الحجة مردودة ابتداءً من الناحية القانونية من وجهين: فمن ناحية، فإن التعسف في استعمال الحق لا يصلح في ذاته مبرراً لمصادرته، وإلا للزمنا تقويض كل الحقوق؛ ومن ناحية ثانية، يلزم عن هذا المبرر إنكار حق الدولة في تقييد حقوق الإنسان في كل الظروف لمجرد أنها قد تسيء استعماله إلى حد يفضي إلى إهدار الحقوق ذاتها. وهذا ولا ريب مرفوض ومخالف للمستقر عليه في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
والحقيقة أن تلك الحجة تسند رأي القائلين بتغليب الحقوق الجماعية على نظيرتها الفردية. فتغليب هذه الأخيرة بشكل مطلق قد يفضي إلى تدمير بناء الجماعة أو إضعاف تماسكها. وهذا أمرٌ إن وقع، لن يقتصر تأثيره على الجماعة فحسب، بل سيطال الفردَ نفسه بحسبانه جزءاً منها يتأثر بما تتأثر به. وعليه فإن إهدار الحق الجماعي لمصلحة حق فردي كثيراً ما يفضي إلى حتمية إضعاف الحقوق الفردية ذاتها. ومن الواضح أن هذا الاعتبار هو أحد الأسباب الرئيسة التي تقف وراء تفوق المصلحة العامة المعبر عنها في الكثير من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان بالأمن القومي والنظام العام والآداب العامة والصحة العامة عن الحقوق الفردية، وهو أيضاً السبب وراء تغليب تلك الصكوك "حقوق الآخرين" على حقوق الفرد الواحد.
ويجد القول بتغليب الحقوق الجماعية على الفردية عند التعارض سنداً آخر في تفوق عدد المستفيدين من الحق الجماعي على عدد أولئك المستفيدين من الحق الفردي في المجتمع الواحد. ولا شك في أن مثل هذا التغليب لا يشوبه أي عيب من الناحية الأخلاقية في الكثير من الأحوال.[10] ولا تعوزنا الاستدلالات على ذلك. فمن الشائع عبر التاريخ أن تُعلي الشعوب من قيمة الحقوق الجماعية مقابل الحقوق الفردية. يتجلى هذا في كفاح الجماعات ضد الحكم الأجنبي، إذ يضحي الجميع لمصلحة حقوقهم الجماعية بحقوقهم الفردية في الأمن والسلامة والتعبير التي يوفرها لهم الغازي. بل إنهم يفضلون العيش في فقر مدقع تحت حكمهم المستقل على حياة تحت حكم الأجنبي تضمن لهم بعض الحقوق الفردية. وفي الظروف التي يكون فيها لبعض الأفراد توجهٌ مختلف، فإنهم غالباً ما يفضلون التكتم،[11] احتراماً لإرادة الجماعة أو انصياعاً لها. يصدق هذا أيضاً في الحالات التي تمثل فيها الجماعة أقلية في دولة تهيمن عليها جماعة ذات ثقافة مختلفة تسعى إلى استيعاب ثقافة الأقلية، فهو، كما رأينا، ما مثّل السبب التاريخي للاعتراف بحقوق الأقليات.
والصواب في ميزان القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأخذاً في الحسبان خصائصَ الحقوق وحقيقةَ عدم تدرجها، هو أن علاج تعارض الحقوق الجماعية مع الفردية، لا يكون بمصادره الواحدة منها لمصلحة الأخرى، بل من خلال ضبط الحالة بقيود عادلة تضمن عدالة النتيجة. وبناءً على ما انصرم من مبررات، يجدر، من حيث الأصل، تبني مبدأ تفوق الحقوق الجماعية على الحقوق الفردية. بيد أنه لا ينبغي أن يفهم هذا على أنه تغليب مطلق للحقوق الجماعية، إذ قد يثور من حالات التعارض ما يحتاج نقاشاً وتوازناً كذاك المطلوب في منهج الموازنة بين الحقوق الفردية عموماً.[12] يتعين في هذه الحالة الاعتماد على العملية العقلانية نفسها، والتي، كما ذكرنا، تقوم على فحص كل حق على حدة، وتقييم أهميته في السياق الذي يمارس فيه وصولاً إلى المفاضلة الأسلم.


أضف تعليقاً